ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

9

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

ألا ترى أنه قال في الأول : « يصرّف مسراها » مخاطبة للغائب ، ثم قال بعد ذلك : « إذا العيس لاقت بي » مخاطبا نفسه ، وفي هذا من الفائدة أنه لما صار إلى مشافهة للممدوح والتصريح باسمه خاطب عند ذلك نفسه مبشرا لها بالبعد عن المكروه والقرب من المحبوب ، ثم جاء بالبيت الذي يليه معدولا به عن خطاب نفسه إلى خطاب غيره ، وهو أيضا خطاب لحاضر ، فقال : « هنالك تلقى الجود » والفائدة بذلك أنه يخبر غيره بما شهده ، كأنه يصف له جود الممدوح وما لاقاه منه ؛ إشادة بذكره ، وتنويها باسمه ، وحملا لغيره على قصده ، وفي صفته جود الممدوح بتلك الصفة الغريبة البليغة ، وهي قوله : « حيث قطّعت تمائمه » ما يقتضي له الرجوع إلى خطاب الحاضر ، والمراد بذلك أن محل الممدوح هو مألف الجود ومنشؤه ووطنه ، وقد يراد به معنى آخر ، وهو أن هذا الجود قد أمن عليه الآفات العارضة لغيره من المنّ والمطل والاعتذار وغير ذلك ، إذ التمائم لا تقطع إلا عمن أمنت عليه المخاوف . على هذا النهج ورد قول أبي الطيب المتنبي في قصيد « 1 » يمدح به ابن العميد في النوروز ، ومن عادة الفرس في ذلك اليوم حمل الهدايا إلى ملوكهم ، فقال في آخر القصيد : كثر الفكر كيف نهدي كما أه * دت إلى ربّها المليك عباده « 2 » والّذي عندنا من المال والخ * يل فمنه هباته وقياده « 3 » فبعثنا بأربعين مهارا * كلّ مهر يدانه إنشاده « 4 »

--> ( 1 ) أول هذه القصيدة قوله : جاء نيروزنا وأنت مراده ، * وورت بالّذي أراد زناده ( 2 ) يقول : قد أكثرت الفكر ، وترددت كيف أهدي إليك شيئا ، كما تهدى العبيد إلى ربها . ( 3 ) يقول : كل ما عندنا من الأموال والخيول ، فهو من هباته ومنائحه ، وما قاده لنا من الخيول فهو من عنده ، وقد أخذ هذا المعنى من قول ابن الرومي : منك يا جنّة النّعيم الهدايا * أفنهدي إليك ما منك يهدى ( 4 ) المهر : الفتى من أولاد الخيل ، وتقول : مهر ومهرة ، والجمع مهار وأمهار ومهرات ، وأراد هنا بالمهر البيت من الشعر ، ويروى « مهار » بالجر وبالنصب ؛ فالجر على أنه بدل أو صفة ، والنصب ليس على التمييز ؛ لأن تمييز هذا العدد مفرد ، تقول : عندي أربعون دينارا ، وفي التنزيل العزيز وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ولكنه على النعت على المعنى ؛ لأن المجرور في المعنى مفعول به .